المدرس ومهارات التوجيه
مقدمة الطبعة الثانية
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:- فقبل ثلاث سنوات صدرت الطبعة الأولى، ولما عدت لقراءة هذا الكتاب رأيت أنه بحاجة لمزيد مراجعة وإضافة، فأعدت النظر فيه مرة أخرى، ليخرج بهذه الطبعة الجديدة، والتي تمتاز عن سابقتها بما يلي: أولاً:- إضافة المزيد من الأفكار والمباحث، وقد بلغ ما تم إضافته في هذه الطبعة قريباً من ثلث الكتاب. ثانياً:- كنت قد قرأت بعض ما كتبه السلف حول آداب العالم والمتعلم، فأضفت بعض النقول عنهم في ذلك، وتركت الكثير لئلا يزيد حجم الكتاب. ثالثاً:- إعادة ترتيب بعض فصول الكتاب ومباحثه. رابعاً:- تصحيح بعض الأخطاء في الطبعة السابقة. وأشعر أنه كلما امتد الزمن، لابد أن تجِدَّ للإنسان أمور، أو يعيد النظر في بعض اقتناعاته، أو ترتيب أولويات أفكاره، لذا فسيبقى العمل البشري عرضةً للصواب والخطأ، والتغيير والتبديل، ومهما امتد ذلك فلن يصل مرتبة الكمال، أو يتجاوز مرحلة الوقوع في الخطأ والزلل. وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقني الإخلاص في القول والعمل إنه سميع مجيب.وصلى الله وسلم على نبينا محمد. محمد بن عبدالله الدويش الرياض 30/1/1416هـ
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:- فإنه قرار صائب ذاك الذي اتخذتَه بالتوجه لهذه المهنة الشريفة، والتصدي لحمل هذه الرسالة الخالدة، فقد وضعتَ قدميك في طريق البناء والإعداد لهذه الأمة، ولستَ بحاجة أخي المدرس إلى أن أدبج لك المقال، وأستنجد لك اليراع. أي خطأ يرتكبه ذاك الذي يظن التعليم وظيفة رسمية فحسب، وأي ظلم وإهانة للجيل والنشء- لا للمعلم وحده - تلك النظرة القاصرة التي تقلل من مكانة المعلم، وترى أن التعليم وظيفة من رضوا بالدون، وأخلدوا للدعة، وتركوا التسابق للمراتب العالية. وكم أتهلل بشراً وأسعد حين أراك أخي المدرس يا من تحمل بين طياتك نفساً صادقة، وقلباً حارًّا يحترق على واقع أمته، ويتألم لحال الشباب. ومع ذلك فلم يكن هذا الهم عائقاً لك ومثبطاً، بل أنت تحمل طموحاً صادقاً، ونفساً أبية متطلعة للإصلاح والتغيير. ولم يقف الحد عند هذه المشاعر، فها أنا أرى ثمرات جهدك، ونتاج عملك، بارك الله فيك، وزادك علماً وعملاً. أخي المدرس : كثيراً ما سمعت كلمات الثناء الصادقة من طلابك، وكثيراً ما رأيت بصماتك ظاهرة عليهم، أرأيت الشباب الغض الذي يتسابق إلى الصفوف الأول في المساجد، ويسارع إلى حلق العلم ومجالس الخير؟ ولن أقول لك اذهب إلى المدارس، فأنت من أهلها، ألم تر إليها وقد تزينت بأولئك الأخيار، وقد صاروا يسابقون إلى أعلى المراتب، ويبزون أقرانهم. فكل ما ترى أخي الكريم بعض ثمرة جهدك وجهد إخوانك من الأساتذة والدعاة. ولكن ومع هذه الجهود الخيرة المشكورة هناك فئة من المعلمين الأخيار، لا مطعن في دينهم، ولا شك في فضلهم، فنحن نحبهم في الله، ونعتقد أن أكثرهم أفضل منا عند الله، ونسعد بلقائهم ودعواتهم الصادقة، لكنهم لا يزيدون على أن يندبوا واقع الشباب، ويتألموا لما هم فيه، دون أن يحركوا ساكناً. فأستأذنك أخي الكريم أن أخاطب هؤلاء الأحباب فحقهم علينا عظيم.. فهل فكرت أخي الكريم في عظم الموقع الذي تبوأته، والأمانة التي تحملتها، فذاك الرجل الطاعن في السن، وتلك المرأة الضعيفة قد علقوا آمالهم بعد الله عليك في استنقاذ ابنهم وحمايته، والمصلحون الغيورون يعدونك من أكبر الآمال في استنقاذ المجتمع، والأمة تبحث أخي الفاضل عن المنقذ لها ولأبنائها، وأنت أخي المدرس جزء من محط آمال الأمة. أخي المدرس: أنت يا قارئ السطور أعنيك ولا أعني سواك، أنت محط آمالنا، أنت طريقنا لا إلى الشباب والتلاميذ وحدهم بل إلى الناس كلهم. أعلم أخي المعلم أنك ستقول: علمي ضعيف، قدراتي محدودة، وربما لست صاحب اختصاص شرعي، أعلم ذلك كله، ولكني أجزم أنك قادر على أن تصنع الكثير، ومهما ضعف علمك، وتواضعت قدراتك، وقلَّت خبرتك، مهما خلعت على نفسك من أوصاف القصور، وسلكت من أبواب التواضع، فأنت قادر على أن تقدم الكثير، ولا نطلب منك أخي المدرس إلا ما تطيق. ألا تطيق الكلمة الناصحة؟ ألا تطيق التألم والحرقة على واقع أبنائك؟. وحجة أخرى طالما سمعناها: المنهج طويل، لا أجد الوقت، لكنا نريد أخي الكريم دقائق معدودة، تستطيع توفيرها من كثير من الوقت الذي يضيع، والاستطراد الذي لا ضرورة له. أخي المدرس: ما أغناك عن أن أحدثك عن الواقع المرير لأمتنا، أو عن التآمر على شباب المسلمين، أنسيت ما فعل دنلوب وأذنابه؟ أنسيت ما بذل جيل المسخ ليحول بينك - أنت المعلم - وبين إبلاغ كلمة الحق الصادقة إلى القلوب المتعطشة؟ . أخي المدرس: أخاطب فيك الغيرة والحمية لدين الله، فأنت تقابل الشباب كلَّ يوم، وتدرك أيَّ غفلة وعالم يعيشونه، ترى مظاهر الإعراض، ومصارع الفتن، فكيف لا تحرك فيك ساكناً؟. ألم تره ذاك الشاب الذي يعيش معاناة واضطرابات المراهقة، ويصارع الشهوات، وتعصف به الرياح من كل فج، أو الآخر الذي اكتنفه رفاق السوء فأحاطوا به إحاطة السوار بالمعصم؟ فهل وصل بك أخي الكريم عدمُ القدرة ونقصُ الخبرة إلى أن تعجز أن تقدم شيئاً لهذا وأمثاله؟. أخي المدرس: لست أدعوك إلى عمل خير تساهم فيه فحسب، ولا أحثك على القيام بنافلة من أفضل النوافل، إنما أدعوك إلى أن ترعى الأمانة، وتقوم بالمسؤولية، وبعبارة أدق: أن تؤدي الواجب الشرعي. ألست راعياً أخي المدرس ؟ ألم يقل صلى الله عليه وسلم : "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" (رواه البخاري ( 893 ) ومسلم ( 1829 ) .) ؟ ألست ترى المنكر؟ ألم يقل صلى الله عليه وسلم :"من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه" ( رواه مسلم ( 49 ) .) ؟ وهل وصل بك الأمر إلى أن لا تطيق إلا الكلمة العابرة أو النقد السلبي؟ ألا تطيق أن تحمل همَّ الإصلاح؟ ألا تطيق أن تفكر في وسائل تربية الناشئة وتوجيههم؟ كيف أخي المدرس تتحمل أمانة تدريس المنهج الدراسي، وتأخذ مقابل ذلك أجراً من مال المسلمين؟ وحين ندعوك لتحمل أمانة الدعوة والتوجيه - التي هي واجبة عليك ابتداءً، وقد زادت مع تبوئك هذا الموقع - حين تكون الحاجة الماسة لحمل الأمانة التربوية تعتذر بعدم القدرة، والضعف العلمي، وفقد الخبرة، وتحسب أن هذا من التواضع. بل التواضع هو القيام بالواجب والاستعانة بالله.فعجباً لهذا القلب للمفاهيم! ومتى كان التخلي عن الواجب وترك المسؤولية تواضعاً؟ كيف أخي المدرس تنقد واقع الشباب، وتتحدث عن سلبياتهم ومع ذلك لا تحرك ساكناً، ولا تقوم بجهد؟. معذرة لهذا الخطاب الجريء فلولا أني أقدر مسؤوليتك التي ستسأل عنها يوم الحساب، ولولا أني أخاطب قلبك الواعي، وعقلك المدرك. لما جرأت عليك، ولولا أن الأمر لا يحتمل الإغضاء لطويت الصفحة، ولولا ثقتي الكبيرة بأن ما أقوله سيثير كوامن خفية في نفسك لما سطرت حرفاً واحداً. أخي المدرس : هل تزهد في ابنٍ بار، وتلميذٍ يقدر جهدك؟ وهل أنت مستغنٍ عن دعوة صالحة يخصك بها من قدَّمت له خيراً؟ إن هذه عاجل النتائج وبشرى المؤمن، أما ما عند الله فهو خير وأبقى. أخي المدرس : إن الشعورَ بأهمية التوجيه، بل والخطوات العملية مطلبٌ نفيس، ولكن لا ينبغي أن نقف عند هذا الحد بل يجب أن نتجاوزه إلى أن نتعلم فن التوجيه، وأساليب التأثير، وهذا باب واسع، لن يحيط به ما سطرته، ومهما بذلت فالأمر أكبر من شخصٍ قاصر، ولذا فأنا أدعو أن تتضافر الجهود لاكتشاف وسائل التأثير، وأن نتبادل الخبرات. فأدعو هنا إخواني إلى المساهمة في الأمر، كتابة ومحاضرة، ومناقشة، ويسعدني أن أتلقى من الإخوة الكرام أي ملحوظة، أو رأي، أو توجيه، أو اقتراح. وأنا كاتب هذه السطور إن نسيت فلن أنسى ذاك الأستاذ الفاضل الذي درسني في المراحل الأولية-رحمه الله- كنت ألمس يومها -وأنا طفل بريء - في وجهه الصدق والعاطفة الحية، ولا تزال أصداء كلماته تتردد في أذني، فرحمه الله وأجزل مثوبته، وأعلى درجته. والآخر الذي عوَّضه الله عن نور بصره بنور بصيرته -أحسبه كذلك والله حسيبه ولا أزكي على الله أحداً- فلله كم ربَّى فيَّ من فضائل، وكم من كلمة صادقة سمعتها إن نسيت حروفها الآن فقد ترجمت إلى عمل وواقع فصارت جزءاً مني لايفارقني. وهل أنسى بعد ذلك ذاك الشيخ الوقور الذي مَنَّ الله عليَّ بحفظ كتابه على يديه؟ وبعدهم خطا بي العمر فانتقلت إلى المعهد العلمي، فتشرفت بالتتلمذ على مشايخ أجلاء وأساتذة أفاضل.ولست أملك والله ما أقدم لهم من العرفان والوفاء أفضل من الثناء الصادق، والدعاء الصالح. اللهم فاغفر لهم جميعاً، وارفع درجاتهم في الدنيا والآخرة، واجزهم عني خير ما جزيت والداً وأستاذاً ناصحاً. محمد بن عبدالله الدويش الرياض 26 /3 /1413هـ
الفصل الأول:ماذا يعني لنا التعليم؟
صور لحقيقة واحدة: ألا ترى أخي الكريم أن هناك فئة من العاملين في قطاع التعليم قد أهان هذه الوظيفة الشريفة، حين اتخذها وسيلة للثراء والكسب المادي؟ فهو لا ينظر لهذا العمل إلا من خلال هذه الزاوية الحادة. إن وظيفة التعليم أسمى وأعلى من أن تكون وظيفةً رسميةً، أو مصدراً لكسب الرزق، إنها إعدادٌ للأجيال، وبناءٌ للأمة. ومن حق كلِّ فردٍ أن يتطلع لعيشة هنية، وأن يتحصل على مصدر شريف لكسب الرزق، لكن هذه صورة أخرى غير تلك التي يمتهن صاحبها التدريس فلا يختاره إلا لما يدره من مال، وغاية همِّه وجلُّ حساباته المقارنة بين المكاسب والخسائر، والحوافز والعقبات، فهل يؤتمن من هذه نهاية نظرته، وغاية تطلعه؟! هل يؤتمن مثله على رعاية الجيل وإعداد النشء؟ هذه صورة.. الصورة الثانية: ذاك المدرس الذي يشكو دهرَه، ويندب حظَّه، فإجازاته ليست بيده، والطلاب أحالوا سوادَ شعره إلى بياض، والآباء يتمون مايعجز عنه أبناؤهم. فالمدرس عند صاحبنا أسوأ الناس حظًّا، فأقرانه حاز بعضهم على مراتب عالية، وأسوأهم حالاً من يستأذن متى شاء، ويأتي متى أراد، ويتعامل مع أوراق جامدة، لا أنفس متباينة، أما هو فيعيش بين ضجيج المراهقين، وصخب الصغار، ليعود بعدها إلى أكوام الدفاتر. إنه هو الآخر وإن خالف صاحبه في الاتجاه، فتشاءم حين تفاءل صاحبه، ونظر بعين الخسائر حين نظر صاحبه بعين المكاسب، إنه مع ذلك لم يدرك شرف التعليم، ولم يرتق إلى أهلية التوجيه، وأي نتاج وتربية ترتجى وراء هؤلاء؟!. الصورة الثالثة: وهي قد تحمل أوجه تلاق مع الصورة الأولى أو الثانية، لكن صاحبها متبلد الإحساس، فاقد الغيرة يرى أبناء المسلمين يتهافتون على الفساد، ويقعون في شبك الرذيلة، ولا يحرك الأمر لديه ساكناً، أو يثير عنده حمية، فهذا ليس من شأنه . شأنه تدريس الفاعل والمفعول، أو توضيح المركبات وقوانينها، أو حل المعادلات، بل قد يتبوأ تدريس العلم الشرعي، والتربية الإسلامية، ومع ذلك فواقع الطلاب لا يعنيه بقليل ولا كثير. لست أدري أي عقلية تحكم هذا النوع من الناس؟! ولا أعلم من أيهما أعجب من واقع الشباب، أم من ضعف التوجيه وعدم إيجابية هذا النمط من المعلمين؟ الصورة الرابعة: مدرس اتجه إلى التدريس كرهاً لا طوعاً، فهو لم يجد وظيفة أصلاً غيره، أو كان يريد البقاء في بلده، فهو الخيار الوحيد له، ولسان حاله يقول: مكره أخاك لا بطل، نعم من حقه أن يؤمن مجالاً يعمل فيه، لكن مثل هذا الصنف قد لا يدرك رسالة التعليم، وشرف التربية. المدرس الذي نريد: وحين نرفض تلك الصور السابقة جملةً وتفصيلاً، ونرى أن ما تحمله من تباين لا يخرجها من أن تكون مظاهر لحقيقة واحدة هي الإهمال وعدم إدراك المسؤولية، فما الصورة التي نريد، والمدرس الذي نتطلع إليه؟. لسنا نريد ذاك الذي رمى الدنيا وراء ظهره وطلقها ثلاثاً فلم يعبأ بها، أو ذاك الذي لا يفارق محرابه، أو ذاك الذي لا تندُّ منه شاردة ولا واردة، إنها صور سامقة لكنها ليست لكل الناس. إننا نريد المدرس البشر الذي يتطلع كغيره لتحصيل مورد لرزقه، ويرى أن من حقه كغيره أن يتمتع بمزايا إدارية ووظيفية، لكن كل تطلعاته تلك لم ترق إلى أن تكون الهدف الأول والأساس، والمقياس الأوحد، والعامل الأهم في اتخاذ قراره بسلوك طريق التعليم، فقد اختار هذا الطريق ليخدم الأمة من خلاله، ويعدَّ الجيل ويربيَ النشء. إنه يحترق على واقع الشباب، ويعدهم أبناءه، ويعتبر إصلاحهم من أولويات وظيفته، وتربيتهم من مسؤوليته. ويؤدي واجبات وظيفته على الوجه المطلوب ليهنأ بأكل راتبه حلالاً. وهو مع ذلك كله سيحصِّل ما يحصِّله غيره من مزايا مادية، ويعيش عيشة مستقرة هنية. التعليم يعطي امتداداً لعمل الإنسان بعد موته: حين يموت الإنسان ويفضي إلى ما قدم ينقطع عمله إلا من ثلاثة:"صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" ( رواه مسلم ( 1631 ).) . وفي حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علماً علَّمه ونشره، وولداً صالحاً تركه، ومصحفًا ورَّثه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقةً أخرجها من ماله في صحته وحياته، يلحقه من بعد موته" (رواه ابن ماجه ( 242 ) والبيهقي وابن خزيمة . وانظر : صحيح الترغيب والترهيب ص73.) . وروى ابن ماجه بإسناد صحيح عن أبي قتادة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "خير ما يخلِّف الرجل من بعده ثلاثٌ: ولدٌ صالح يدعو له، وصدقة تجري يبلغه أجرها، وعلمٌ يُعمل به من بعده" (رواه ابن ماجه ( 241 ) . وانظر : صحيح الترغيب والترهيب ( 75 ).). ونصيب المدرس لا يقف عند واحدة من هذه الثلاث، بل يظفر بها جميعاً كما بيَّن ذلك الحافظ بدر الدين ابن جماعة حين قال:"وأنا أقول : إذا نظرت وجدت معاني الثلاثة موجودة في معلم العلم، أما الصدقة الجارية فإقراؤه إياه العلم وإفادته إياه، ألا ترى إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم في المصلي وحده : "من يتصدق على هذا؟" (رواه أحمد ([11016] 3/14) وأبو داود (574) والدارمي (1368).). أي بالصلاة معه لتحصل له فضيلة الجماعة، ومعلم العلم يحصل للطالب فضيلة العلم التي هي أفضل من صلاة في جماعة، وينال بها شرف الدنيا والآخرة. وأما العلم المنتفع به فظاهر؛ لأنه كان سبباً لإيصال ذلك العلم إلى كل من انتفع به. وأما الدعاء الصالح له فالمعتاد على ألسنة أهل العلم والحديث قاطبة من الدعاء لمشايخهم وأئمتهم… فسبحان من اختص من شاء بجزيل عطائه" (تذكرة السامع والمتكلم ( 63 - 64 ) .). وانظر إلى الثمرة التي جناها أبو حنيفة رحمه الله حين علَّم مسألة واحدة، قال مكي بن إبراهيم:"كنت أتجر فقال لي الإمام: التجارة بلا علم ربما تورث فساد المعاملة، فما زال بي حتى تعلمت، فما زلت كلما ذكرته وذكرت كلامه وصليت أدعو له بالخير؛ لأنه فتح عليَّ ببركته أبواب العلم" (من أعلام التربية الإسلامية ( 1/44) نقلاً عن مناقب أبي حنيفة للكردي ( 138). ). المدرس صاحب اللبنة الأولى: هل رأيت العالم الداعية الذي يحمل همَّ دينه، وتلتف حوله الجماهير، ويثني الناس ركبهم لديه؟ أم أبصرت القاضي الذي يحكم في دماء الناس وأعراضهم وأموالهم؟ أم قابلت الجندي الذي يقف في الميدان حامياً لعرين الأمة، وحارساً لثغورها؟ كل أولئك إنما جازوا من قنطرة التعليم، وعبروا من بوابة الدراسة، وقد كان لهم ولاشك معلمون وأساتذة، ولم يعدموا مدرساً ناصحاً، وأستاذاً صادقاً. " إن عظماء العالم وكبار الساسة فيه وصناع القرارات الخطيرة، كل هؤلاء قد مرُّوا من خلال عمليات تربوية طويلة ومعقدة، شارك فيها أساتذة ومعلمون، وضع كل منهم بصماته على ناحية معينة من نواحي تفكيرهم، أو على جانب من جوانب شخصياتهم، وليس من المحتم أن يكون هؤلاء العظماء وقواد الأمة ومصلحيها قد مرُّوا على عيادات الأطباء، أو على مكاتب المهندسين، أو المحامين، أو الصيادلة، أو المحاسبين. بل إن العكس هو الصحيح إذ لابد أن يكون كل هؤلاء الأطباء والمهندسين والمحامين والصيادلة والمحاسبين وغيرهم، لابد وأن يكونوا قد مرُّوا من تحت يد المعلم؛ لأنهم من ناتج عمله وجهده وتدريبه… إن المعلمين يخدمون البشرية جمعاء، ويتركون بصماتهم واضحة على حياة المجتمعات التي يعملون فيها، كما أن تأثيرهم على حياة الأفراد ومستقبلهم يستمر مع هؤلاء الأفراد لسنوات قد تمتد معهم ما امتد بهم العمر، إنهم يتدخلون في تشكيل حياة كل فرد مرَّ من باب المدرسة، ويشكلون شخصيات رجال المجتمع من سياسيين، وعسكريين، ومفكرين، وعاملين في مجالات الحياة المختلفة" (المعلم والمناهج وطرق التدريس لأستاذنا . د . محمد عبدالعليم مرسي (14-15) .). فهو أنت أخي المدرس تدرس الصغير والكبير، وتعد الجميع، وتهيئهم ليصل بعضهم إلى ما لم تصل إليه، لكنك صاحب اللبنة الأولى وحجر الأساس. أرأيت أخي حجم مسؤوليتك؟ وأدركت موقعك من المجتمع؟ وعلمت مكانك بين الناس؟ المدرس يمتد أثره خارج أسوار المدرسة: يدرك الجميع مدى نجاح المدرس في التأثير من خلال فصله الدراسي، وعلى طلبته الجالسين أمامه على مقاعد الدراسة، أما أن تأثيره يمتد خارج أسوار المدرسة فهذا أمر قد لا يدركه الجميع، إن المدرس الناصح المخلص لن يعدم أن يجد واحداً من بين طلبته المئات يحمل أفكاره، ويتحمس لها ربما أكثر منه، وينافح عنها في المجالس والمحافل، فتبلغ كلماته مدى يعجز هو قبل غيره عن قياسه. وأحسب أنك توافقني أن هذه البوابة من التأثير غير مفتوحة للجميع، وأن من يفشل في التأثير على الجالسين أمامه لن تجاوز كلماته فصله. صلاة الله وملائكته: عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله وملائكته وأهل السموات والأرضين، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت، ليصلون على معلم الناس الخير " (رواه الترمذي ( 2685 ) والدارمي (289) .). أي منزلة عالية تلك التي يبلغها المدرس، أن يصلي عليه الله سبحانه وتعالى وملائكته الكرام الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون؟ وحتى سائر أهل السماء وأهل الأرض، وهذا أمر يشاهده الجميع، ألم تسمع تلك الدعوات الصادقة التي تصدر من الناس حين يسمعون خطيباً أو داعية للخير، قد علَّمهم أمراً جهلوه، أو ذكَّرهم شيئاً نسوه؟ ولكن ما بالك بمن جعل هذه الأمانة والمنزلة سليماً للثراء، ووسيلة للكسب المادي، ففقد الإخلاص لله سبحانه، ولم يبتغ بتعليم الناس وجه ربِّه، أتراه يستحق هذا الثواب؟ "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" (رواه البخاري ( 1 ) ومسلم ( 1907 ). ). له مثل أجر من تبعه: عن أبي هريرة- رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً (رواه مسلم ( 2674 ).). وعن جرير بن عبد الله البجلي- رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من سنَّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" (رواه مسلم ( 1017 ).). وعن حذيفة- رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" من سنَّ خيراً فاستن به؛ كان له أجره ومن أجور من يتبعه غير منتقص من أجورهم شيئاً، ومن سنَّ شرًّا فاستن به؛ كان عليه وزره ومن أوزار من يتبعه غير منتقص من أوزارهم شيئاً" (رواه أحمد (5/387).). فالمدرس له النصيب الأوفر من هذه الفضائل؛ فهو ممن يدعو للهدى، ويسن السنة الحسنة، بل روى ابن ماجه من حديث سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من علَّم علماً فله أجر من عمل به لا ينقص من أجر العامل" (رواه ابن ماجه ( 240 ) . وانظر : صحيح الترغيب والترهيب ( 76 ).) . النضارة: لقد تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"نضرَّ الله امرأً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، فَرُبَّ مبلغ أوعى من سامع" (انظر لقط اللآلى المتناثرة ( 161 ) وأورده السيوطي والكتاني . وذكر ابن منبه أنه رواه أربعة وعشرون) فهذه دعوة من النبي صلى الله عليه وسلم للمعلم، فبادر أخي المدرس في تعليم الخير لتفوز بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم ، فرب كلمة لا تلقي لها بالاً تقع على من يكون أوعى لها منك، فينالك أجرها. من تلميذك البار؟ من أعظم ما تدخره أخي المدرس في الحياة الدنيا أن تكسب طالباً، يتلقى توجيهك، ويحمل علمك، ويعرف بعد ذلك قدرك . ويوصيك بذلك ابن جماعة فيقول:"واعلم أن الطالب الصالح أعود على العالم بخير الدنيا والآخرة من أعز الناس عليه، وأقرب أهله إليه، ولذلك كان علماء السلف الناصحون لله ودينه يلقون شبك الاجتهاد؛ لصيد طالب ينتفع الناس به في حياتهم، ومن بعدهم، ولو لم يكن للعالم إلا طالب واحد ينتفع الناس بعلمه وهديه وإرشاده لكفاه ذلك الطالب عند الله تعالى، فإنه لا يتصل شيء من علمه إلى أحد فينتفع به إلا كان له نصيب من الأجر" (تذكرة السامع والمتكلم (63)).
الفصل الثاني:هدي النبي صلى الله عليه وسلم في التعليم
لماذا هدي النبي صلى الله عليه وسلم ؟ ترتفع الرؤوس كثيراً اليوم، ويتطلع منظرو التربية في العالم الإسلامي إلى فلاسفة التربية الغربية ورموزها؛ فهم الذين نظَّروا لهذا العلم ورسموا خطوطه العريضة، والمؤلف الناضج والكاتب الرصين هو الذي يدبج مقاله بالنقل عن علماء الغرب وأساتذته، والتربية عند هؤلاء علم حديث النشأة إنما بدأ مع العصر الحديث: عصر النهضة والتقدم العلمي. ونحن إذ لا ننكر ما بذله علماء الغرب من جهود في هذا العلم وغيره، ولا نغلو فندعو المسلم إلى هجر ورفض جميع ما عند أولئك - نحن إذ لا نقف هذا الموقف- فلسنا بحال مع من يدعو الأمة إلى أن تختزل تاريخها، وتطوي صفحاته، فتغضَّ الطرف جهلاً أو تجاهلاً، وتهيل الركام على تراثها الحق. لقد بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم في أمة سيطر عليها الجهل، واستولت عليها الخرافة، فصنع بإذن الله منها أمة حاملة للهداية للبشرية أجمع، أمة حاملة منهج العلم، ومنهج التعليم والتفقه. لقد وصف الله سبحانه وتعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بأنه معلم فقال [هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين] (الجمعة: 2). وامتن على المؤمنين بذلك [ لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين] (آل عمران: 164). وقال : [كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون] (البقرة :151). وما أجمل ذلك الوصف، وأبر هذا القسم الذي صدر من معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه" فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه" (رواه مسلم ( 537 ).). بل وهل يظن مسلم أن يوجد أسمى وأعلى، وأشرف منه صلى الله عليه وسلم معلماً ومربياً، بل وهل يظن ظان أن سيرد مشرب التعليم والتربية من غير حوضه، أو يدخل إلى ساحة البناء دون بابه. فما أحوجنا معاشر المعلمين والمربين إلى التماس هديه صلى الله عليه وسلم في التعليم، والتأسي بسنته، وهل ثمة رمز نتطلع إليه، وموجه نتلقى منه غيره؟ ومن ثَمَّ كانت هذه المحاولات لتلمس بعض معالم هديه صلى الله عليه وسلم في التعليم. أولاً :إيجاد الدافع للتعلم: لا شك أن للترغيب في العلم دوراً كبيراً في إيجاد الحماسة لدى طالب العلم للتعلم؛ إذ هو مهما علت حماسته وارتفعت عزيمته، لايخلو من أن تعصف به رياح الكسل، ويصيبه العجز والفتور، ومن ثم كان لابد من تعاهد هذه النبتة بالرعاية، وهو أمر لا يمكن أن يغفل عنه معلم البشرية صلى الله عليه وسلم، فكان صلى الله عليه وسلم يسلك مبدأ إثارة الدافع لدى المتعلم من خلال: أ - بيان فضل العلم وطلبه: فيقول صلى الله عليه وسلم :"من سلك طريقاً يبتغي فيه علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاء لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً؛ إنما ورثوا العلم؛ فمن أخذ به فقد أخذ بحظ وافر" (رواه الترمذي (2682) وأبو داود (3641) وأحمد (21208) وابن ماجه (223).). وحين جاء ثلاثة نفر وهو جالسٌ مع أصحابه، فجلس أحدهم خلف الحلقة، والآخر رأى فرجة فجلس فيها، وأما الثالث فأعرض.قال صلى الله عليه وسلم بعد ذلك:"أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه" (رواه البخاري (66) ومسلم (2176).). ب - إشعار المتعلم بحاجته إلى العلم: فحين جاء المسيء صلاته وصلى قال له النبي صلى الله عليه وسلم :"ارجع فصلِّ فإنك لم تصل". فأعاده صلى الله عليه وسلم مراراً حتى أحسَّ - رضي الله عنه - بالحاجة للتعلم فقال:"والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني" ( رواه البخاري (757) ومسلم (397) ). وفرق بين أن يعلمه صلى الله عليه وسلم ابتداءً، وبين أن يشعر هو بحاجته للعلم فيأتي سائلاً باحثاً عنه. ثانياً: جمعه بين التعليم والتربية: فقد وصفه الله سبحانه وتعالى بذلك فقال: [هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ] (الجمعة :2) . فمن وظائفه صلى الله عليه وسلم تعليم العلم، والتزكية، وتلاوة الكتاب على أصحابه. ولذا لم يكن صلى الله عليه وسلم يخرج أقواماً يحفظون المسائل فقط، بل ربَّى أصحابه تربية علمية، وتربية جهادية، وقيادية، وإدارية، وقبل ذلك كله تربية إيمانية، فهذا حنظلة- رضي الله عنه - يحكي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يشهد معه مجالس التذكير والعلم، فكأنه يرى الجنة والنار (رواه مسلم (2750).) فهي إذاً مجالس مع ما فيها من التحصيل المعرفي تنقل المسلم بمشاعره إلى الدار الآخرة، وما يلبث أن يظهر ذلك على سلوكه وهديه. ثالثاً:عنايته بتعليم المنهج العلمي: ففي تربيته العلمية لأصحابه لم يكن صلى الله عليه وسلم يقتصر على تعليم أصحابه مسائل علمية فقط، بل ربَّى علماء ومجتهدين، وحملة العلم للبشرية. ولقد ظهرت أثار هذه التربية على صحابته بعد وفاته في مواقفهم من حادثة الردة، وجمع القرآن، وشرب الخمر، واتخاذ السجون، والخراج، وغير ذلك من المسائل التي اجتهد فيها صحابته رضوان الله عليهم، فلم يقفوا مكتوفي الأيدي أمام النوازل التي واجهتهم، واستطاعوا أن يتوصلوا فيها للحكم الشرعي، ولقد واجه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم دولة ممتدة الأطراف، متنامية النواحي، وتعاملوا مع أصناف أخرى من الشعوب، وأنماط جديدة من المعيشة والسلوك، واستطاعوا أن يستوعبوا ذلك كله. كل ذلك كان نتاج التربية العلمية التي ربَّاهم عليها صلى الله عليه وسلم. ومن معالم تعليمه المنهج العلمي: 1 - كان يعودهم على معرفة العلة ومناط الحكم: فلما سئل عن شراء التمر بالرطب، قال:"أينقص الرطب إذا يبس؟" قالوا:نعم فنهى صلى الله عليه وسلم عن ذلك (رواه أبو داود (3359) والنسائي (4545) والترمذي(1225) وابن ماجه (2264).) ، وقد كان معلوماً له صلى الله عليه وسلم ولغيره أن الرطب ينقص إذا يبس، لكنه أراد تع